السيد محمد الصدر
300
تاريخ الغيبة الصغرى
أما قيامه على أساس الاضطرار « 1 » ، فهو الأمر العام الذي يقتضيه التمحيص الإلهي ، بشكل رئيسي . فان الأفراد في حبهم لذاتهم وتفضيلهم للراحة ، لا يميلون - عادة - إلى العمل الاجتماعي العام ، لما فيه من شعور بالجهد والمسؤولية . ومن ثم فهم لا ينطلقون نحو إلا تحت وطأة من الاضطرار والشعور بالضغط والاحراج . ومن ثم كان لا بد في حملهم على العمل العام من إيكالهم إلى الظروف الصعبة الظالمة . ومن ثم انعقد التخطيط الإلهي على حمل الأمة على العمل الاضطراري بهذا المعنى ، لأجل تحقيق مصالحها الكبرى في يوم الظهور . وأما قيام الاخلاص والوعي على أساس الاختيار ، فباندفاع المكلف إلى العمل أزيد من مقدار الاضطرار والاحراج ، بمجرد شعوره بالمطلوبية الاسلامية له ، الزاما أو استحبابا . . . بأن يكون على الدوام معارضا للظلم داعيا إلى الحق ، هاديا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة . صحيح ، ان الاندفاع إلى ذلك ، يحتاج إلى درجة كبيرة من الوعي والاخلاص وقوة الإرادة ، لا يتوفر إلا للقليل . . . إلا أنه - على أي حال - ليس هو المستوى المطلوب توفره في المشاركة في قيادة العالم كله في يوم الظهور . وإنما يكون العمل الاختياري أو ما نسميه بالتمحيص الاختياري مضافا إلى التمحيص الاضطراري ، سببا لإيجاد مثل هذا المستوى الرفيع . ومن الواضح ما لهذا التمحيص الاختياري ، من أثر بليغ في التصعيد السريع ، بشكل أعظم بكثير مما ينتجه التمحيص الاضطراري . . . وفي التعجيل بإيجاد شرط الظهور ، بمقدار ما تقتضيه الظروف الثقافية والفكرية التي يعيشها الفكر الاسلامي ، في أي عصر . إذن ، فما قيمة هذه الشبهة التي تقول بأن الاعتقاد بالمهدي ( ع ) يمنع عن العمل الاجتماعي الاصلاحي ، وللّه في خلقه شؤون .
--> ( 1 ) لا ينبغي الخلط بين الاضطرار وبين الاكراه . فان الاضطرار يمثل حاجة شديدة مع انحفاظ الإرادة معها ، كمن يبيع داره من أجل دين كبير عليه . والاكراه لا تنحفظ معه إرادة كمن باع داره تحت وطأة التهديد بالقتل ، أو تحت الضرب الشديد مثلا . ولكل منهما « اختيار » يقابله .